الشيخ محمد رشيد رضا

64

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التي يوجههم كتابه إلى النظر فيها ، ويرشدهم إلى استخراج العبر منها ؟ أليس من أشد المصائب على الملة أن يهجر رؤساء دين كهذا الدين العلوم التي تشرح حكم اللّه وآياته في خلقه ويعدوها مضعفة للدين أو ماحية له ، خلافا لكتاب اللّه الذي يستدل لهم بها ويعظم شأن النظر فيها ؟ بلى وإنهم ليصرون على تقاليدهم هذه وليس عليها حجة وإنما اتبعوا فيها سنن قوم ممن قبلهم وكان بعض الحكماء المتأخرين يقول كلمة في أهل دينه الذين خذلوه : هكذا شأن أهل الأديان كافة كأنهم تعاهدوا جميعا على أن يكون سيرهم واحدا . وهذا المعنى مأخوذ من قول اللّه تعالى في الكافرين يتفقون في كل أمة على الطعن في نبيها ( أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ) وقد يزعم بعض هؤلاء الذين يعادون علم الكون باسم الدين أن النظر في ظواهر هذه الأشياء كاف للاستدلال بها ومعرفة آيات صانعها وحكمته ورحمته . فمثلهم كمثل من يكتفي من الكتاب برؤية جلده الظاهر وشكله من غير معرفة ما أودعه من العلم والحكمة . نعم ان هذا الكون هو كتاب الابداع الإلهي المفصح عن وجود اللّه وكماله ، وجلاله وجماله ، وإلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى ( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) وبقوله ( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ) فكلمات اللّه في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية ، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال ، لكن لا يفهمه الذين هم عن السمع معزولون ، وللعلم معادون ، الواهمون أن معرفة اللّه تقتبس من الجدليات النظرية ، والأقيسة المنطقية ، دون الدلائل الوجودية الحقيقية ، ولو كان زعمهم حقيقة لا وهما ، لكان اللّه سبحانه استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية ، وذكر الدور والتسلسل وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية ، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك والمطر وتأثيره في الحياة ، وغير ذلك من المخلوقات التي أرشدنا القرآن إلى النظر فيها ، واستخراج الدلائل والعبر منها ألا إن للّه كتابين : كتابا مخلوقا وهو الكون ، وكتابا منزلا وهو القرآن ، وإنما يرشدنا هذا إلى طرق العلم بذاك ، بما أوتينا من العقل ، فمن أطاع فهو من الفائزين ، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون